عبد الشافى محمد عبد اللطيف
362
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
دولتهم ، فعلى كثرة ما نسمع عن سماحة الخليفة العباسي المأمون ( 198 - 218 ه / 813 - 833 م ) وإكرامه للعلماء فإن ما نقرأه عن احترام الخليفة الأموي الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر ( 350 - 366 ه / 961 - 976 م ) يفوق كل ما سمعناه عن المأمون ، فقد ذكر المقري في « نفح الطيب » حكاية لذلك الخليفة الأموي مع أحد العلماء ينبغي أن تروى ليعرف الناس كيف كان بعض حكام المسلمين يعاملون العلماء ، يقول المقري ما ملخصه : يروي الفقيه أبو القاسم بن مفرج : كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم - رحمه اللّه تعالى - فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية ، فإني لعنده بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي به قرب داره ، ومجلسه حافل بجماعة الطلبة ، وذلك بين الصلاتين ، إذ دخل عليه خصيّ من أصحاب الرسائل ، جاء من عند الخليفة الحكم ، فوقف وسلم ، وقال له : يا فقيه ، أجب أمير المؤمنين - أبقاه اللّه - فإن الأمر خرج فيك ، وها هو قاعد ينتظرك ، وقد أمرت بإعجالك ، فاللّه اللّه - كأنه يستعجله - فقال له الفقيه أبو إبراهيم : سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ، ولا عجلة ، فارجع إليه ، وعرفه - وفقه اللّه - عني أنك وجدتني في بيت من بيوت اللّه تعالى مع طلاب العلم ، أسمعهم حديث ابن عمه ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهم يقيدونه عني ، ليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضى اللّه وطاعته ، فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة ، فإذا انقضى أمر من اجتمع إلي من هؤلاء المحتسبين في ذات اللّه ، الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء اللّه تعالى ثم أقبل على شأنه ، ومضى الخصي يهينم متضاجرا من توقفه ، فلم يك إلا ريثما أدى جوابه ، وانصرف سريعا ساكن الطيش ، فقال له : يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه اللّه ، فأصغى إليه ، وهو يقول لك : جزاك اللّه خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين ، وجماعة المسلمين وأمتعهم بك ، وإذا أنت أوعيت - انتهيت - فامض إليه راشدا إن شاء اللّه تعالى ، وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي . فقال له : - أبو إبراهيم - حسن جميل ، ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدّة ويصعب عليّ ركوب دابتي لشيخوختي ، وضعف أعضائي ، وباب الصناعة الذي يقرب إليّ من أبواب القصر المكرم أحوط وأقرب وأرفق بي ، فإن رأى أمير المؤمنين - أيده اللّه تعالى - أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه ، هون على المشي ، وودع جسمي ، وأحب أن تعود وتنهى إليه ذلك عني ، حتى تعرف رأيه فيه وكذلك حتى